السيد كمال الحيدري

37

الإنسان بين الجبر والتفويض

ثالثاً : الاتّجاه الإمامي يجدر التذكير مجدّداً إلى أنّ المعتزلة والإمامية يقفان كلاهما على أرضية نظرية واحدة في مقابل الأشاعرة من حيث الإيمان بفاعلية الأسباب الطبيعيّة ، لكنّهما يفترقان في طبيعة القراءة التي يقدّمها كلّ فريق لموقفه النظري . وهنا يكمن التمايز بينهما . يتلخّص التصوّر الذي تقدّمه مدرسة أهل البيت عليهم السلام إلى أنّ الأسباب الطبيعيّة تعمل في الوجود وتمارس تأثيرها ، ولكن بإذن الله سبحانه ودون انقطاع عنه . والمقصود من « بإذن الله » أنّ عمل هذه الأسباب وتأثيرها هو بإقدار الله لها حدوثاً وبقاءً . نستعين برواية عن الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه السلام تضيء جوانب الموقف . فقد سأله عباية بن ربعي الأسدي عن الاستطاعة ، فردَّ عليه الإمام أمير المؤمنين بقوله : إنّك سألت عن الاستطاعة ، فهل تملكها من دون الله أو مع الله ؟ » فسكت عباية . فقال له الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : قل يا عباية . فقال عباية : فما أقول يا أمير المؤمنين ؟ لقد صار عباية في موقف حرج لأنّه إن قال إنّه يملكها مع الله فهو الشرك ، وإن قال يملكها من دون الله فهو الاستقلال . عندئذ علّمه أمير المؤمنين بما يلي : « تقول : إنّك تملكها بالله الذي يملكها من دونك ، فإن ملّكك إيّاها كان ذلك من عطائه ، وإن سلبكها كان ذلك من بلائه ، فهو المالك لما ملّكك ، والقادر على ما عليه أقدرك » « 1 » .

--> ( 1 ) تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله ، الشيخ الحسن بن علي بن شعبة الحراني ( ت : 381 ه - ) ، مؤسسة النشر الإسلامي ، قم ، 1404 ه - : ص 213 ؛ علي والفلسفة الإلهية ، السيّد محمد حسين الطباطبائي ، مؤسسة الثقلين الثقافية : ص 76 .